انها الساعة الثالثة صباحا وسبع وعشرون دقيقة، يوم الثلاثاء ..
قصدت السرير بغرض النوم ولكن اجتاحتني الذكريات المؤلمة وملأت عقلي، حاولت ان اتغاضى عنها ولكن لم استطع،
ثنيت رأسي بين ركبتاي وبكيت، بكيت، بكيت
وبين الدموع وشهقات صوتي، يسترجع عقلي صرخاته المؤلمة وانتفاضات جسده من الالم، ارى صورته واضحة امامي وهو متمدد على سرير المستشفى، يصرخ متألما كل دقيقتين ويضع يده على فمه كي لا يزعج المرضى الآخرون، وارى نفسي بجانبه واقفة بلا حول ولا قوة اراه يتألم ويصرخ وليس بوسعي سوى ان اقرأ عليه آيات قرآنية وانفث عليه بين تارة واخرى
انادي الممرض اذا رأيت ان نوبة الالم اشتدت عليه، يحمل نفسه مستثقلا وقد اعتاد على صوت صرخاته ولا يفعل شيء، ليس لأنه لا يريد بل لأنه لا يوجد ما يستطيع فعله فجميعنا لا حول لنا ولا قوة امامه
من بداية دخولنا لقسم الطوارئ حيث كنت اقول في نفسي بأنها ازمة صحية بسيطة وسوف يخرج منها سالمًا معافى حتى ليلة ١٧ شوال والتي توافق ليلة وفاته، ما بين ذاك اليوم وتلك الليلة وانا استذكر تفاصيل كل ما حدث وكأنه حدث بالامس !
اصوات المرضى، محادثاتي مع اطباء القسم التي لا جدوى منها، مشوار ذهابي للمستشفى الساعة الثانية فجرًا وقيلولتي الصغيرة التي آخذها قبل الوصول، خطوات قدماي الثقيلة حين اقترب من الغرفة وغصات حلقي التي ما زالت تراودني حتى هذه الساعة ..
اتذكر كل شيء وما يؤلمني حقا انني اتذكر كل شيء !
اشعر بأنني قصرت في حقه كثيرًا، اشعر بأنني تغاضيت عما اصابه من مرض، تراودني افكارٌ بأنه ماذا لو ..
ماذا لو ذهبنا للمستشفى قبل ذلك ؟
ماذا لو لم اسمع كلامه واتغاضى عن المشكلة ؟
ماذا لو واجهت نفسي مبكرًا بأن ليس كل شيء على ما يُرام !
ماذا لو .. ماذا لو .. ماذا لو ..
وحين اشرع بالدخول الى هذه الدوامة لا اخرج منها الا وعيناي متورمتان من البكاء ورأسي يكاد ينفجر من الصداع، بلا أي فائدة
كانت ايام صعبة كثيرا، صعبة نفسيا وجسديا وروحيا، صعبة من جميع النواحي
ايام ثقيلة جدا، حيث اشعر بأن الدقيقة كأنها يوم كاملة واليوم بـ سنة !، اثناء مكوثنا في المستشفى اصبح جسده هزيلًا، فقد شهيته للأكل، بل فقدها في كل شيء ! لم ارى ابتسامته الجميلة بعد هذا المرض المشؤوم سوى مرات قليلة جدًا وكانت ابتسامته يتخللها التعب والانهاك، كل يوم يفقد جزءا من صحته حتى اصبح لا يقدر على المشي او الجلوس وحده ..
كنت متشبثة بـ بصيص امل بأنه سيُشفى وهذه الايام سوف تمضي خصوصا لحظة خروجه من المستشفى، كنت سعيدة وفي نفس الوقت يجتاحني القلق حين أتأمل جسده الهزيل ووجهه المنهك المتعب .. كنت اعاونه في كل شيء بداية بشرب الماء الى الاستحمام، اصبحت انام بجانبه واصحو بين حين وآخر كي اطمئن عليه .. يكاد نومي ينعدم تلك الفترة، كنت اسهر ليومين متتاليين بدون ان اشعر بنفسي، فقدت شهيتي انا الاخرى وخسرت من وزني ما خسرت، ولكن غير مهم !
كان جلّ اهتمامي وتفكيري ينصب عليه وكلي امل بأنه سيُشفى وان هذه الايام سوف تمضي، حتى اتت ليلة السابع عشر من شوال، كنت نائمة بجانبه ومن شدة الانهاك لم اشعر بما حولي، في تمام الساعة الثانية عشر والنصف تم ايقاظي فَزعًا ورأيته فاقدًا للوعي حاولت انعاشه بما حاولت من قوة ولكن لا مُجيب !
ارى جسده متمددًا امامي بلا حركة، اتحسس اطرافه فإذا هي باردة، اقترب من انفه وفمه فلا احس بأي شيء، في تلك اللحظة ادركت وادركت تمامًا بأن بصيص الامل الذي كنت متشبثة به قد انقطع .. ارفع رأسي بثقل شديد نحو والدتي التي شحب لونها وفاضت عيناها من الدموع، امسك بيدها بشدة واخذها خارج الغرفة، وقتها وصل فريق الاسعاف.
تلك اللحظة انزل الله علي من القوة والصبر الشيء الكثير، كنت صابرة جدا وقوية من اجل والدتي وليس من اجل نفسي واحمد الله بأنه رزقني هذه القوة، كانت اول مرة ارى نفسي بهذه القوة وهذا الصبر ! وقتها ايقنت تماما بأن لحظة المصائب يُنزل الله الى قلب عباده الطمأنينة والصبر ما يمسح بها على قلوبهم ويرويها ..
ولكن حتى هذه اللحظة ما زالت صرخات المه تتردد على مسامعي، ما زلت استذكر كل لحظة امضيتها معه في المستشفى او في البيت بعد خروجه، ما زلت استذكر كل شيء مؤلم تلك الفترة وهذا ما يؤرقني كثيرا
ابي، يا حبيب قلبي وسعادة روحي وبهجة ايامي .. لم اتخطى صدمة رحيلك عن هذه الفانية وفي كل لحظة يجتاحني فيها الحزن الشديد يأتي علي مسمعي صوتك وانت تقول لي: (لا تزعلي يا بنتي) فكانت هذه العبارة اخر ما قلته لي قبل وفاتك وربما هي رسالة لي احتفظ بها طول حياتي بأن لا ازعل ابدًا !
رحمك الله يا روح قلبي، واسأل الله ان يجمعني بك في الجنان حيث لا هم ولا حزن ولا صرخات الم !